بن عيسى باطاهر

32

المقابلة في القرآن الكريم

يقول جوستاف لوبون : « تشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض ، وفي هذه السهولة سر قوّة الإسلام ، والإسلام وإدراكه سهل ، خال مما نراه في الأديان الأخرى ، ويأباه الذوق السليم ، غالبا من التناقضات والغوامض ، ولا شيء أكثر وضوحا وأقلّ غموضا من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد ، وبمساواة جميع الناس أمام اللّه » « 1 » . فالوحدانية بخصائصها ومقوماتها هي المحور الأساسي في القرآن ، وهي القضية الكبرى التي عني بها عناية كبيرة إنّها أخذت الحيّز الأكبر في آي القرآن ، فقد طال في سوره إثبات الوحدانية ، ودمغ كل شائبة تنسب الشرك إلى الألوهية ، واطّرد حجاج القرآن في هذه القضية حتى عدّها قضيته المصيرية « 2 » والوحدانية التي يدعو إليها القرآن الكريم لها مقوماتها الخاصة التي لا نجدها في الأديان السماوية التي تسرّب إليها التحريف ، ولابسها الشرك ، ولا في الأديان البشرية الوضعية التي طغى عليها الضلال ، وكثرت فيها الأهواء ، إنّها مقومات تجرّد التوحيد ، وتجعله خالصا للّه وحده ، وتنفي عنه الشرك بأنواعه كلّها ، ولذلك استبحرت الآيات القرآنية في سرد هذا المعنى ، وركّز « المنهج القرآني تركيزا شديدا على هذه الحقيقة لتعميقها في الضمير البشري ، وسلك بها إلى هذا الضمير كل مسالك الكينونة البشرية ، واتّبع شتى أساليب الاستجاشة والتأثير ، والإبانة والتقرير ليقرّ في النفس البشرية حقيقة العبودية للّه وحده بلا شريك ، والدينونة للّه وحده بلا منازع ، باعتبار أنّ هذه العبودية ، وهذه الدينونة شاملتان للوجود كلّه ، غير مقصورتين على الكائن الإنساني » « 3 » . إن الوحدانية التي حمل لواءها القرآن هي الاعتراف للّه وحده بالخلق والأمر ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] ، والاعتراف له بحق العبادة التي

--> ( 1 ) حضارة العرب - ص 125 . ( 2 ) محمد الغزالي - نظرات في القرآن - ط دار البعث : الجزائر - ص 74 . ( 3 ) سيد قطب - مقومات التصور الإسلامي - ص 82 .